محمد جمال الدين القاسمي

216

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

ادعينا أنّ الحق هو مذهب السلف ، وأنّ مذهب السلف هو : توظيف الوظائف السبع على عوامّ الخلق في ظواهر الأخبار المتشابهة . وقد ذكرنا برهان كلّ وظيفة معها فهو برهان كونه حقا ، فمن يخالف - ليت شعري ! - أيخالف في قولنا الأول : إنه يجب على العاميّ التقديس للحقّ عن التشبيه ومشابهة الأجسام . أو في قولنا الثاني : إنه يجب عليه التصديق والإيمان بما قاله الرسول عليه الصلاة والسلام بالمعنى الذي أراده . أو في قولنا الثالث : إنه يجب عليه الاعتراف بالعجز عن درك حقيقة تلك المعاني . أو في قولنا الرابع : إنه يجب عليه السكوت عن السؤال والخوض فيما هو وراء طاقته . أو في قولنا الخامس : إنه يجب عليه إمساك اللسان عن تغيير الظواهر بالزيادة والنقصان والجمع والتفريق . أو في قولنا السادس : إنه يجب عليه كف القلب عن التذكر فيه والفكر مع عجزه عنه ، وقد قيل لهم : تفكروا في الخلق ولا تفكروا في الخالق . أو في قولنا السابع : إنه يجب عليه التسليم لأهل المعرفة من الأنبياء والأولياء والعلماء الراسخين . فهذه أمور بيانها برهانها ، ولا يقدر أحد على جحدها وإنكارها ، إن كان من أهل التمييز ، فضلا عن العلماء والعقلاء . فهذه هي البراهين العقلية ! النمط الثاني : البرهان السمعيّ على ذلك . وطريقه أن نقول : الدليل على أن الحق مذهب السلف أن نقيضه بدعة - والبدعة مذمومة وضلالة - والخوض من جهة العوام في التأويل ، والخوض فيه من جهة العلماء بدعة مذمومة ، وكان نقيضه - وهو الكف عن ذلك - سنة محمودة . فهاهنا ثلاثة أصول : أحدها : إن البحث والتفتيش والسؤال عن هذه الأمور بدعة . والثاني : أن كلّ بدعة فهي مذمومة . والثالث : أن البدعة إذا كانت مذمومة كان نقيضها ، وهي السنة القديمة ، محمودة . ولا يمكن النزاع في شيء من هذه الأصول ، فإذا سلم ذلك ، ينتج : أن الحق مذهب السلف . ثم أطال - قدّس سرّه - في إيضاح هذه الأصول وأطاب ، فارجع إليه إن شئت . والقول الشامل في هذا الباب ما قاله الإمام أحمد رضي الله عنه : « لا يوصف الله إلا بما وصف به نفسه ، أو وصفه به رسوله ، لا يتجاوز القرآن والحديث . ونعلم أن ما وصف الله به من ذلك فهو حقّ ليس فيه لغز ولا أحاجي ، بل